gocorporation
download
كتاب التوحيد - 17
469
عناصر المادة:

ثم قال: (باب قول الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦]) هذا أيضًا نوع من الذي قبله، يعني إذا كان لا أحد يستطيع أن ينفع أحدًا للشفاعة، والخلاص من العذاب، كذلك لا يستطيع أحد أن يهدي أحدًا حتى يقوم بما أمر الله به. إِنَّكَشوف الخطاب لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام الذي اتخذه الله خليلًا، والمحاول هدايته أبو طالب، أو غيره ممن يحب، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، فأنت يا محمد المخاطب بكاف الخطاب، يعني: وله عند الله المنزلة المعروفة، لا يستطيع أن يهدي مَنْ أحب هدايته.ومعلوم أنه إذا أحب هدايته، فإنه سوف يَحْرِص عليها، ومع ذلك ما تمكَّن من هذا الأمر؛ لأن الأمر كله بيد الله، لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [آل عمران: ١٢٨]، وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣] الْأَمْرُكل الأمور، فأتى بـ(أل) الدالة على الاستغراق؛ لأن (أل) في قوله: الْأَمْرُ، لأي شيء؟ للاستغراق، فهي نائبة مناب (كل)، أي: وإليه يرجع كل أمر، ثم جاءت مؤكدة بقوله؟طالب: كُلُّهُ.الشيخ: كُلُّهُ، فذلك توكيدان، وقوله: إن كنت لمحبتك إياهم حريصًا؛ أن الهداية التي نفاها الله عن رسوله هداية التوفيق، والهداية التي أثبتها لرسوله هداية الدلالة والإرشاد؛ ولهذا أتت هداية الدلالة والإرشاد مطلقة لبيان أن الذي بيده هو الهداية والدلالة فقط، لا أن يجعل هذا مهتديًا، قال: لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، ما ذكر فلانًا وفلانًا، لَتَهْدِيليبين أن المراد: تدل، فأنت الآن تفتح الطريق أمام الناس، وتبين لهم، وترشدهم، وتدلُّهم أما أن تقول: فلان هديته، بمعنى: ألزمته بالهداية وأدخلته في الهداية، فهذا أمر ليس إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما هو مما تفرَّد به الله سبحانه وتعالى، نحن علينا أن نبين، وندعو، ونبلِّغ، وأما التوفيق أن يهتدي، فهذا إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو الجمع بين الآيتين.وفي قوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَإشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحب أبا طالب؟طلبة: لا.طالب: لا، على تقدير محذوف، أحببت هدايته.الشيخ: نعم، إما أن يقال: إنه على تقدير: إنه مفعول محذوف والتقدير: من أحببت هدايته، لا من أحببته هو، وإما أن يقال: إن هذا قبل النهي عن محبة المشركين، ومعاداتهم، ومقاتلتهم، ومجاهدتهم، أحد الأمرين. ولكن الأول أقرب، يعني: ما هو من أحببت عينه، من أحببت هدايته.طالب: يفرق بين المحبة الشرعية، والمحبة..؟الشيخ: لا، يفرق بينهما.الطالب: قد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام يحبه محبة القرابة؟الشيخ: يجوز أنه يحبه محبة القرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية.طالب: يعني إذا قال: (...).الشيخ: لا، قد أحب أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيًّا لكفره، لكن أنا أحب أن يهتدي، ما هو لأنه فلان، لكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله، فإذن الجواب على هذا: إما أن نقول: إنها محبة طبيعية، ما هي بمحبةٍ دينية، والإنسان يحب أباه، ويحب ابنه ولو كان كافرًا محبة أبوة وقرابة، وإما أن يقال: من أحببت هدايته، فيعم من؟ أبا طالب، وغيره، حتى مَنْ ليس بينه وبينه قرابة، (...) يحب أن يهتدي، أو يقال: إن هذا قبل النهي عن محبة المشركين؛ لأن لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: ٢٢] مدنية، ولَّا مكية؟طلبة: مدنية.الشيخ: مدنية.طالب: (...).الشيخ: هي الأولى.الطالب: محبة أن (...).الشيخ: إي نعم، قال..طالب: (...) المنهي عنه في الآية المودَّة وليس المحبة؟الشيخ: حتى الحب في الله، والبغض في الله من علامات الإيمان.طالب: الآية ما خَصَّت، نزلت في (...) أبي طالب (...)؟الشيخ: خلينا نشوف (...)قال: (وفي الصحيح عن ابن المسيب، عن أبيه) المسيب (قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ) .(أبا) ليش هنا بالألف؟طلبة: مفعول به.الشيخ: مفعول به، والأسماء الخمسة تُنصَب بالألف، (لما حضرت أبا طالب الوفاة) (الوفاة) أيش إعرابها؟طلبة: فاعل.الشيخ: فاعل، والوفاة: يعني الموت، (جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، فقال له: «يَا عَمُّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»).(فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا عَمُّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ») أتى بهذا الوصف الدال على الحنو والعطف؛ لأن العم صِنو الأب، ويش معنى صنوه؟ أي: أنه كالغصن معه، الصنو: هو الغصن الذي أصله واحد؛ أغصان أصلها واحد تُسمَّى صنوان، قلت: «يَا عَمُّ»؟طالب: يا عَمِّي، ولا يا عَمُّ؟الشيخ: لحظة، هل نقول: (يا عَمُّ)، ولَّا (يا عَمِّ)؟ يجوز فيها وجهان: يا عمِّ على تقدير أنها مضافة إلى الياء، وأصلها: يا عمِّي، و(يا عمُّ): على تقدير قطعها عن الإضافة.«يَا عَمُّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» هذا الأمر على سبيل الإلزام والطلب، أو الإرشاد والتوجيه، أو الترجي والتلطف؟كلها محتملة، يجوز أن يكون أمرًا؛ لأنه يجب على الإنسان أن يأمر كل أحد أن يقول: لا إله إلا الله، ويجوز أن يكون إرشادًا وتوجيهًا، ويجوز أن يكون تلطُّفًا معه.«قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وأبو طالب والذين عنده يعرفون هذه الكلمة؟ ولَّا لا؟يعرفونها، ويعرفون معناها، ولهذا بادر بالإنكار.قال: «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» «كَلِمَةً» هذه بالنصب على أنها بدل من قوله: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فإن «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» في موضع نصب، والبدل له حكم المبدل منه «كَلِمَةً»، ويجوز إذا لم تكن الرواية بالنصب، أن تكون بالرفع، يعني: (هي كلمة)، ولكن النصب أوضح.طالب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ما الذي نصبها؟الشيخ: نصبها مقول القول، «قُلْ» ، «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». طالب: عندنا بالرفع.الشيخ: أيها.الطالب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».الشيخ: بالرفع، إذا كانت مرفوعة فلها وجه؛ هي كلمة.وقوله: «أُحَاجُّ» بضم الجيم، وفتحها، «أُحَاجُّ»، «وأحاجَّ»، فأما على ضم الجيم فهي: صفة لكلمة، فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة ومحله النصب، أو الرفع، على أنه صفة لكلمة، وإذا كانت بالفتح فهي مجزومة على أنها جواب الأمر، أين الأمر؟طالب: «قُلْ».الشيخ: «قُلْ» يعني: إن تقل تحاج، وهذه أعني جواب الأمر، بعض المعربين يقولون: إنها جواب لشرط مُقدَّر، يعني: إن تقل أحاج، وبعضهم يرى أنها جواب للأمر مباشرة، وهذا الأخير أسهل، لأنه الأصل أيش؟طالب: عدم التقدير.الشيخ: الأصل عدم التقدير.وقوله: «أُحَاجُّ لَكَ» «أُحَاجُّ» يعني: أذكرها حجة لك عند الله، وليس المعنى أخاصم، وأجادل الله، وإن كان بعض أهل العلم قال: إن هذا معناه: أجادل الله بها، ولكن الذي يظهر لي أن المعنى أحاج لك بها عند الله، يعني: أذكرها حجة لك، كما جاء في بعض الروايات: «أَشْهَدُ بِهَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ» ، ومتى تكون هذه الشهادة؟ تكون يوم القيامة عند ملاقاة الله سبحانه وتعالى، (فقالا له) من؟طالب: عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل.الشيخ: نعم، (فقالا له) عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، (فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟)، وهذا الاستفهام يراد به الإنكار؛ ينكرون عليه، هم عرفوا أنه إذا قال: لا إله إلا الله، وحَّد، وملة عبد المطلب الشرك، شوف والعياذ بالله، ذكرا له ما تهيج به نعرتُه، وهي ملة عبد المطلب حتى لا يخرج عن ملة آبائه، والعياذ بالله، فقالوا هذا؛ لأجل يتهيج ويبقى على ما هو عليه من الشرك.وقوله: (فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟) هذان الرجلان هل ماتا على ملة عبد المطلب؟أما أبو جهل فمات على ملة عبد المطلب، وأما عبد الله بن أبي أمية فقد أسلم، وكذلك أيضًا المسيب اللي حاضرهم، أسلم، فأسلم من هؤلاء الثلاثة رجلان، وبقي الثالث كما هو معروف مات على الكفر.طلبة: (...).الشيخ: لا، غير مسلم، أسلم فيما بعد.طالب: (...).الشيخ: كيف؟ نعم.الطالب: هو (...) يعني هو كان جالس (...).الشيخ: هو ما تكلم بشيء، لكن كان حاضرًا المجلس.يقول: (فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب) (ملة) بمعنى دين، وعبد المطلب، ما هو لأبي طالب؟طالب: أبوه.الشيخ: أبوه، وعادة أن الإنسان تلحقه النعرة -والعياذ بالله- لملة آبائه، فلا يكاد يقلع عنها.يقول: (فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا) (أعاد عليه) أيش قال؟ «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، (فأعادا عليه) قولهما: (أترغب عن ملة عبد المطلب) نسأل الله العافية والسلامة.(فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب) والعياذ بالله، (آخر ما قال: هو) يعني أبا طالب (على ملة عبد المطلب) وهي ملة الشرك، (وأبى أن يقول: لا إله إلا الله) نسأل الله العافية.إذن مات على الشرك، مات أبو طالب على الشرك، (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ») الله أكبر! «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ» هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القسم، واللام، ونون التوكيد.«لَأَسْتَغْفِرَنَّ» والاستغفار: هو طلب المغفرة، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في نفسه شيء من القلق، حيث قال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» ولهذا وقع الأمر كما توقَّع، فنهي عنه، فقال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، وقوله: (أُنْهَ) فعل مضارع مبني للمعلوم؟!طلبة: للمجهول.طالب: أو للمفعول.الشيخ: مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والناهي عنه هو؟طلبة: الله.الشيخ: (فأنزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى[التوبة: ١١٣]) مَا كَانَ، مَانافية، كَانَفعل ماضٍ ناقص، واسمها: أَنْ يَسْتَغْفِرُوا(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم (كان) مؤخر، ولِلنَّبِيِّ؟طالب: خبرها.الشيخ: خبرها مقدم، يعني: ما كان استغفاره، ولا يمكن.واعلم أن (ما كان)، و(ما ينبغي)، إذا جاءت فإنها؟ ويش المراد بها؟ المراد بها الممتنع غاية الامتناع، الممتنع شرعًا غاية الامتناع، إذا جاءت في القرآن: (ما كان)، أو (لا ينبغي)، أو (ما ينبغي)، أو ما أشبه ذلك، فالمراد أن ذلك ممتنع غاية الامتناع، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ [مريم: ٣٥] ممتنع غاية الامتناع، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢]، مستحيل.لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [يس: ٤٠]، وهكذا، «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» ، مستحيل.طالب: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ.الشيخ: لا، إِلَّا أَنْ قَالُوا [آل عمران: ١٤٧]، هذا أثبت.وقوله: أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَأن يطلبوا المغفرة، لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىحتى لو هم أقارب لهم، ولهذا لما اعتمر النبي عليه الصلاة والسلام، ومر بقبر أمه، استأذن الله أن يستغفر لها، قال: «يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي» فمنعه الله عز وجل، ما أذن له، فاستأذنه أن يزور قبرها فأذن له، فزار النبي عليه الصلاة والسلام قبر أمه وهي مشركة؛ للاعتبار، ثم بكى عليه الصلاة والسلام وبكى من حوله من الصحابة ، ولكن الله تعالى منعه أن يستغفر؛ لأن هؤلاء المشركين ما هم بأهل للمغفرة، فإذا دعوت الله أن يفعل ما لا يليق به، فهذا اعتداء في الدعاء.(وأنزل الله في أبي طالب: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (في أبي طالب) أي: في شأنه، ولَّا الخطاب مو لأبي طالب، الخطاب لمن؟للرسول صلى الله عليه وسلم، وإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وأيضًا: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُسبق لنا أن قلنا: إن كل فعل أضافه الله إلى مشيئته، هو مقرون بحكمته، مَن اقتضت حكمته أن يهديه، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.طلبة: آمين.الشيخ: فإنه يهتدي، ومن اقتضت حكمته أن يُضِلَّه أضلَّه الله.هذا الحديث في الحقيقة يقطع وسائل المشركين أيضًا، (...) الذين يشركون بالرسول وبغيره، الذين يسألون الرسول الآن، ويستنجدون به، ويستغفرونه أيضًا، ويطلبون منه المغفرة، هؤلاء مشركون، ينفعهم ذلك ولَّا لا؟ ما ينفعهم، ما ينفعهم هذا أبدًا؛ لأنه إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ما أذن له أن يستغفر لعمه أبي طالب، مع أنه قد قام معه قيامًا عظيمًا، وفعل جميلًا، ومع ذلك ما أُذِن أن يستغفر له، فكيف بغيره مما يشركون بالله؟ ما ينفعهم الرسول صلى الله عليه وسلم أبدًا.في هذا الحديث عدة إشكالات، أو في هذا الباب كله:الإشكال الأول: الإثبات والنفي في الهداية: وقد عرفنا الجواب عليه، أو لا؟الإشكال الثاني: (لما حضرت أبا طالب الوفاةُ) فهذا يُشكِل مع قوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].وظاهر الحديث (لما حضرت أبا طالب الوفاة) قبول توبته، وهذا إشكال، والجواب على ذلك من أحد وجهين:إما أن يقال: لما حضرته الوفاة، أي: بانت عليه علامات الموت، ولكنه ما نزل به، إلى الآن ما نزل به، لكنه عرف أنه ميت لا محالة، فهذا معنى: حضرته الوفاة، وعلى هذا الوجه، ينافي الآية ولَّا لا؟ ما ينافيها.والوجه الثاني: أن يقال: أن هذا خاص بأبي طالب (...) بأبي طالب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدلُّ لذلك بوجهين:الوجه الأول: أنه قال: «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، ولم يجزم بنفعها له، ما جزم بنفعها، ما قال: تنجو بها من النار، بل قال: «أُحَاجُّ لَكَ بِهَا».والوجه الثاني: أن الله تعالى أذن للرسول عليه الصلاة والسلام أن يشفع لعمه أبي طالب، وهذا لا يصح، ولا يستقيم إلا له، أو لا؟ والشفاعة له ليخرجه من النار، ولَّا ليخفف عنه العذاب؟طلبة: ليخفف عنه..الشيخ: ليخفف، ويبقى. (...).بالوجهين الذي سمعتم، وأيضًا هو يؤيد، ويدفعون قول من قالوا: (حضرته الوفاة)، كانت عليه علامات الموت بأن (حضرته الوفاة) مطابقة تمامًا لقوله تعالى: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨]، وعلى هذا يكون الأوضح في الجواب الاختصاص، هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم في أبي طالب نفسه.وفيه أيضًا إشكالات لعلنا إن شاء الله نأتي بها فيما بعد.طالب: يا شيخ: لو قيل: إن القصة هذه قد (...)؟الشيخ: أيهم؟الطالب: قصة أبي طالب قد يوجد (...) على قبول التوبة.الشيخ: لا، ما هو بالظاهر يعني قصدي معناه: إن الجواب هذا غير سديد.الطالب: لماذا؟الشيخ: غير سديد؛ أولًا أن قوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] هذه نزلت متأخرة؛ لأنها في سورة التوبة، وسورة التوبة متأخرة.وثانيًا: أن الآية وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨] مدنية، ومَسوقة مسوقَ الشيء الممتنع، مثل (...)، الظاهر أن هذا الجواب ما يستقيم.طالب: حتى الآية هذه (...)؟الشيخ: أيها؟الطالب: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا، (...)؟الشيخ: (...) يحتمل أنها مكية، ويحتمل أن الرسول بقي يستغفر له حتى نزلت الآية، حتى في المدينة.طالب: (...).الشيخ: يستغفر لمن؟ لأبي طالب؟الطالب: نعم، بدليل (...).الشيخ: لا، ما عندك دليل (...)، فيه أيضًا إشكالات (...) القادم. (...).

***

طالب: الحمد لله رب السماوات والأرض وما بينهما، والصلاة والسلام على نبي الهدى نبينا محمد وعلى أنبياء الله أجمعين، وبعد:روى الإمام أحمد في المجلد الثاني من مسنده صفحة ٥٤١ حديثًا قال فيه: حدثنا عصام بن خالد، قال: حدثنا جرير، عن شهيد بن أبي روح، أن أعرابيًّا أتى أبا هريرة فقال: يا أبا هريرة حدِّثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةَ يَمَانِيَّةٌ، وَأَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمُ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ» -وقال المغيرة: «مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ»- «أَلَا إِنَّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَصْحَابِ الشَّعْرِ وَالْوَبَرِ، الَّذِينَ يَغْتَالُهُمُ الشَّيَاطِينُ عَلَى أَعْجَازِ الْإِبِلِ» .هذا حديث حسن، فعصام بن خالد، وهو الحضرمي شيخ الإمام أحمد، قال فيه النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد أخرج له البخاري في صحيحه، وأشار إليه الحافظ في التقريب بأنه صدوق.وأما قول عصام: (حدثنا جرير) فهو تصحيف، والصواب حريز، وهو ابن عثمان ثقة ثبت، لأن عصام لم يرو عن جرير، وهو ابن عبد الحميد وهو من الثقات، وشبيب أبو روح تابعي ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وقوله في الحديث: وقال المغيرة: «مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ»، مع أن المغيرة هذا لم يأت في السند المذكور، ولم نقف على طبقة المغيرة هذا، هل هو شيخ الإمام أحمد، أم هو تابعي، أو غير ذلك، وعلى كل حال فقد اختلط اللفظ، فواحد روى: «أَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ»، وآخر روى: «أَجِدُ نَفَسَ رِبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ»، وهذا يوجب اضطرابًا في المتن؛ لأن الجمع يتعذر في هذه الحالة، ولكن الحديث رواه البخاري رحمه الله في كتابه التاريخ الكبير المجلد الرابع صفحة ٧١، عند ترجمته الصحابي سلمة بن نفيل السكوني الشامي، قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا عبد الله بن سالم، قال حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، قال أخبرني سلمة بن نفيل السكوني قال: دنوت من النبي صلى الله عليه وسلم حتى كادت ركبتاي تمسان فخذه، فقلت: يا رسول الله، سيء بالخيل وألقي السلاح، وزعموا أن لا قتال، قال: «كَذَبُوا، الْآنَ جَاءَ الْقِتَالُ، لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرَةٌ عَلَى النَّاسِ يَزِيغُ اللَّهُ قُلُوبَ قَوْمٍ فَيُقَاتِلُونَهُمْ لِيَنَالُوا مِنْهُمْ» ، «لِيَنَالُوا مِنْهُمْ» قال وهو مُولٍّ ظهره إلى اليمن: «إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ هَاهُنَا، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنِّي مَكْفُوتٌ غَيْرُ مُلَبَّثٍ، وَتَتَّبِعُنِّي أَفْنَادًا، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا».وهذا سند أبيض رجاله كلهم ثقات، فالحديث صحيح؛ لأنه جاء من طريقين مختلفتين، الأولى في المسند حسنة، الثانية التي في التاريخ صحيحة، ولا تؤثر مخالفة المغيرة التي في المسند، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد المجلد العاشر صفحة ٥٦، وقال: رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة (...).الشيخ: (...).طالب: الإشارة إلى لفظ البخاري (...).الشيخ: إي، يعني: وهو مولٍّ ظهره..الطالب: من الخلف، أو من الأمام؟الشيخ: لا، ظني من الخلف، هو ما هو مشكلة من اليمن أو من الشام، لكن المشكلة أنه نَفَس..الطالب: ما يثبت النفس من هذا الدليل؟الشيخ: لا، لأن النفس، مثل الأكل والشرب؛ يعني: من ضروريات الأجسام، ولكنه من (...) الله، لأن المراد النصر.طالب: (...) السياق أيضًا (...).الشيخ: أيها؟الطالب: السياق، سياق النص.الشيخ: إي نعم، «الْإِيمَانُ يَمانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ» (...).طالب: لا، (...).الشيخ: ما هو (...) فيه؟طالب: قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة) (...).الشيخ: الإشكال اللي قال.طالب: الإشكال هو قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة)، حيث أولى أن يقول: (...).الشيخ: لا، هذا ما هو بإشكال، تقديم المفعول ما فيه إشكال.طالب: لما قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة)، (...) قول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨]، فكيف تُقبَل..؟الشيخ: قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ.الطالب: إي، قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، فكيف تقبل توبتُه والرسول كان يعرض عليه؟الشيخ: وقد حضرته الوفاة، صح، ويش الجوب على الاثنين؟طالب: الجواب: أن يقال: إن أبا طالب حضرت عليه بوادر الوفاة ولم ينزل به أو أن يقال: إن هذا خاص بأبي طالب مع النبي.الشيخ: أحسنت، الجواب بأحد أمرين: إما أن يقال: حضرت أبا طالب الوفاة، يعني: ظهرت عليه علامات الموت وإن لم ينزل به، ما بعد نزل به الملكُ لقبضِ روحه، وإما أن يقال: إن هذا خاص بأبي طالب، أيهما أرجح؟طالب: الأخير، إنه خاص بأبي طالب مع النبي.الشيخ: ويش (...)؟طالب: لأنه قال: حضرت بمعنى أنه حضره الموت.الشيخ: وجه رجحانه؟طالب: (...) أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ».الشيخ: قال: «أُحَاجُّ لَكَ»، ولم يجزم؟الطالب: (...).الشيخ: بأنها تنفعه، أيضًا دليل آخر؟طالب: أنه وجده في ضحضاح من نار، (...) الدرك الأسفل من النار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع له عند الله، فيكون في ضحضاح من النار.الشيخ: زين، مع أن غيره لا تنفعه هذه الشفاعة.طالب: (...) قبول التوبة هي لمن حضرته الوفاة، (...): وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، والحديث هذا (...).الشيخ: هذا يزيل الإشكال، يعني: هذا مما يرجح أننا إذا قلنا بالأول أخرجنا قوله: (حضرت الوفاة) عن ظاهره، وإذا قلنا بالثاني بقيت الآية والحديث متطابقين، نعم، صح.فيه أيضًا إشكال ثالث؛ وهو أن قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] متأخر نزولًا؛ لأنها في سورة التوبة، والتوبة مدنية، وقصة أبي طالب مكية، وقلنا: إن هذا تأخَّر النهيُ عن الاستغفار للمشركين؛ ولهذا استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ربَّه أن يستغفر لأمه وهو ذاهب إلى العمرة، ولو كانت هذه الآية مكية، هل يستأذن ربه أن يستغفر لها؟ ما يمكن يستأذن، فدلَّ هذا على أن الآية تأخَّرت.وأن معنى قوله: (فأنزل الله مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ) ليس المعنى أنه نزلت في ذلك الوقت، بل تأخر نزولها، ولا مانع من أن يكون للآية سببا نزول، وقد قيل أيضًا: إن استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه أنه أيضًا سبب لنزول الآية، ولا مانع من أن يكون للآية سببان.فيه أيضًا شيء من الإشكال، هذه ثلاث إشكالات، ويجب عليكم إنكم تسجلون الإشكالات هذه، إما في حوافظ أدمغتكم، أو في حوافظ دفاتركم، لا تفوت عليكم الفوائد هذه، يعني أنا أنسى دائمًا مثل هذه الفوائد.من الإشكال أن أهل العلم يقولون: إنه يُسنُّ تلقينُ المحتضر قولَ: لا إله إلا الله، ولكن لا يقول له: قل: لا إله إلا الله، لأنه ربما مع الضجر يقول: لا، مع الضجر وحضور الموت، يكون ضيق الصدر، يقول: لا، أو يكره هذه الكلمة أو معناها، وإنما ينبغي في التلقين أن يذكر الله عنده ذكرًا يسمعه، فما هو الجواب عما ذكره أهل العلم وهذا الحديث؟ وهذا طبعًا ليس إشكالًا بين نصين؛ إشكال بين ما استحبه بعض العلماء وبين هذا النص.طالب: أبو طالب (...).الشيخ: ويش تقولون؟طالب: نعم، صحيح.الشيخ: صحيح؟الطالب: نعم.الشيخ: إي نعم، نقول: هذا كافر، ولو أبى أن يقول: لا إله إلا الله، هو على حاله، ما ضره التلقين شيئًا في هذا الوقت، لم يضرَّه شيءٌ، لكن تيجي لمسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، تقول له: قل، في هذه الحالة الحرجة، هذا خطر عليه؛ لأنه ربما تضره، فهذا الفرق، أما أبو طالب فإنه كان كافرًا، إما أن يبقى على كفره ولا ضرر عليه، يعني: لا ضرر عليه منه، وإما أن يهديه الله، بخلاف المسلم.طالب: لكن فيه طلبة علم يقولون: فيه واحد من الأنصار الرسول قال له: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (...)»؟الشيخ: ما أدري، ما مرت عليَّنا.الطالب: رجل من الأنصار قال له..الشيخ: ما مرت عليَّنا هذه، ها القول يمكن قال في غير حضور الموت.الطالب: لو مريض ميئوس منه.الشيخ: ما (...).طالب: يقول: يعنى قصة اليهودي.طالب آخر: لا، غير قصة اليهودي، هذه غير لأن أنا قلت: هذا الحديث (...) مر علينا البارحة، (...) الحديث، بس أنا ما حفظته فيه واحد من الأنصار.الشيخ: لا، ما أظن.الطالب: وإذا صح يعني.الشيخ: ما نقول، حتى نشوف الحديث، ونشوف ويش قرأناه؟طالب: (...).الشيخ: كيف (...)؟ من الآية.الطالب: الآية (...).الشيخ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] (...).الطالب: يجوز (...)؟الشيخ: إي يجوز (...).الطالب: (...).الشيخ: لا، يمكن قد تكون في سنة ست؛ لأنهم دخلوا، حين استأذن الرسول عليه الصلاة والسلام ربه في سفره للعمرة، ما (...) عمرة القضية، أو عمرة الحديبية، وأظن عمرة القضية في السنة السابعة، ونزلت بعد ذلك.طالب: (...).الشيخ: لا، قصة أبي سلمة (...) وأغمض عينيه وقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَأَبِي سَلَمَةَ» (...).فيه أيضًا إشكال من مَنْ أَحْبَبْتَ، وذكرنا الجواب عليه، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَنزلت في أبي طالب وهو كافر، والرسول صلى الله عليه وسلم مؤمن؟ كيف يثبت محبة المؤمن للكافر، وأجبنا عنها فيما سبق.طالب: محبة الإنسان لأقربائه تكون فطرية، ليس للمرء فيها دخل، وحب النبي عليه الصلاة والسلام لعمه (...) ليس حب..الشيخ: ليس حب إيمان.الطالب: ليس مودة (...).الشيخ: ليست محبة إيمان.طالب: (...) المراد أنك لا تهدي من أحببت هداه.الشيخ: نعم، لا من أحببت هدايتَه، وحينئذ ما يكون فيها تعرض لكونه يحبه أو لا يحبه، فالرسول يحب هداية كل إنسان، والمعنى الأول أقرب إلى سبب النزول، لأنه لو قلنا من أحب هدايته لم يكن فرق بين أبي طالب وغيره.كم الإشكالات الآن؟طلبة: أربعة.الشيخ: ست.طالب: أربعة (...).الشيخ: (وفيه مسائل؛ الأولى: تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَالآية) وقد سبق تفسيرها، وبيَّنا أنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يهدي أحدًا وهو حي، فكيف يستطيع أن يهدي أحدًا وهو ميت؟ وأنه كما قال الله تعالى في حقه: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [الجن: ٢١].(الثانية: تفسير قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواالآية) وقد سبق تفسيرها، وبينا أنها تدل على تحريم استغفار المؤمنين للمشركين، ولو كان أباه؟ ولو كان أباه وأمه فإنه حرام، وبينا الخطر من قول بعض هؤلاء الناس الذين إذا مات الميت الكبير من زعماء الكفر يقولون له: المرحوم، فإن هذا حرام ولا يجوز، لا يجوز أن يُدعى له بالرحمة؛ لأنه مضادة لله سبحانه وتعالى.ومن هذا أيضًا إظهار الحزن والجزع على موته بالإحداد أو بغيره، فإن هذا لا يجوز؛ لأن رؤساء الكفر المؤمنون يفرحون بأن يموتوا، بل لو كان عند المسلمين قدرة وقوة لقاتلوهم وعذبهم الله بأيدي المؤمنين.طالب: لو شك الإنسان في (...) أحد (...) هل يستغفر (...)؟الشيخ: إي نعم، تقدم لنا أنه يستغفر، يقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، إلى آخره.طالب: قوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣].الشيخ: نعم.الطالب: هل (...)؟الشيخ: كيف؟الطالب: بمعنى إذا لم يتبين للشخص..؟الشيخ: إي نعم، إذا لم يتبين فله أن يستغفر.الطالب: كيف يتبين له؟الشيخ: افرض أن هذا -مثلًا- رجل تحوم حوله الشبه، يقال: إنه مثلًا لا يصلى، يقال: إنه مثلًا جاحد للإسلام، ولكن ما تبيَّن لنا، فهذا لا بأس أن نستغفر له، لكنه إذا قويت القرائن فإننا نستثني، اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له، والمشرك الكافر ما نقول: إن كان مؤمنًا؛ لأننا عارفون أنه ما هو مؤمن.طالب: (...) في بلاد بعيدة؟الشيخ: لا، البلاد البعيدة ما دام أنهم على الكفر فإننا في الدنيا نعاملهم بأحكام الدنيا، ولا نحكم بأنهم مسلمين، ولا ندعو لهم بالرحمة، نحن ما ندري، الله أعلم بما كانوا عاملين.(الثالثة: وهي المسألة الكبيرة، تفسير قوله: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ») يعني المسألة الكبيرة من هذا الباب، تفسير قول مَن؟قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمه: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وعمه عرف المعنى، وعرف إن معناه التبرؤ من كل إله سوى الله؛ ولهذا أبى أن يقول هذا الكلام، فهو يعرف معناها، ويعرف مقتضاها، ويعرف ملزماتها؛ ولهذا أنكر، أبى أن يقول: لا إله إلا الله، والعياذ بالله.بخلاف ما عليه من يدعي العلم، فإن ما عليه من يدعي العلم، أيش لون؟ يعني: حيث فسَّر لا إله إلا الله في غير معناها، وكأن المؤلف يشير إلى تفسير المتكلمين لمعنى لا إله إلا الله، حيث يقولون: إن الإله هو القادر على الاختراع؛ لأنه لا قادر على الإيجاد والإبداع إلا الله، وهذا التفسير في الحقيقة تفسير باطل، هو حق؛ لا قادر على الإبداع إلا الله، ولا على الاختراع إلا الله، لكن ليس هو معنى لا إله إلا الله، بل معناها لا معبود بحق إلا الله، لأننا لو قلنا: لا إله إلا الله معناها لا قادر على الاختراع إلا الله، صار المشركون الذين قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام واستباح نساءهم وذريتهم وأموالهم ودماءهم صاروا مسلمين مخلصين؛ لأنهم هم يقولون: ما يقدر على الاختراع ولا خلق السماوات والأرض إلا الله.

لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ٢٢]، هذه جملة استئنافية لبيان حالهم، لَا يَمْلِكُونَالضمير يعود على المعبودين ولَّا العابدين؟
طلبة: المعبودين.
الشيخ: المعبودين لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، مِثْقَالَبمعنى: وزن، والذرَّة هي صغار النمل، واحدة الذر وهي صغار النمل، ويُضْرَب بها المثل في القلة، كما في قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، يقول بعض المفسرين العصريين: إن المراد بالذرة هنا؟
طالب: أصغر جزء من المادة.
الشيخ: أصغر منها، مثقال ذرة ما تتشاف.
طالب: لأنها لا تُرى إلا بالميكروسكوب.
الشيخ: إي، ذرة، المهم (...) القنبلة الذرية وما أشبه ذلك، فنقول لهم: هذا خطأ؛ أولًا: إن القرآن يخاطب الناس بما يعرفون، وثانيًا: ها الذرة اللي تقولون هل لها وزن؟
طالب: إي، لها وزن.
الشيخ: ويش وزنها؟
الطالب: خفيف.
الشيخ: فنحن نقول: مِثْقَالَ ذَرَّةٍالذرة المعروفة المعهودة في زمن الخطاب بالقرآن، ولكننا نقول: ما جاء على سبيل المبالغة فإنه لا مفهوم له؛ يعني معناه لو قال قائل: إنهم ما يملكون مثقال ذرة، لكن يملكون مثقال ذرة قنبلة ما هي بذرة نملٍ، هل يملكون ذلك؟
طالب: لا يملكون.
الشيخ: لا يملكون.
إذن تأخذ من الآية من هذه القاعدة التي أشرنا إليها: ما أخذ به المبالغة قلة أو كثرة فلا مفهوم له، مثاله في القلة: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَسْبِعِ أَرَضِينَ» ، منين نستدل؟
طلبة: «شِبْرًا».
الشيخ: (...) شبرًا، الرسول (...)، لكن هذه المادة للمبالغة.
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠]، كذلك أيضًا مبالغة في الكثرة، لو يستغفر إلى ما لا نهاية له؛ ولهذا لو قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَرْجُو» أو كلام من هذا معناه «أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ لَغُفِرَ لَهُمْ لَفَعَلْتُ» ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إذن نقول: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، أيُّ الذرات؟
طلبة: ذرة النمل.
الشيخ: ذرة النمل، وهو الصغير منه، وهو من باب المبالغة، فيشمل ما هو أدنى وأعلى.
فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِلا يملكون مثقال ذرة في السماوات، ولا يملكون مثقال ذرة في الأرض، حتى الأرض التي هم فيها ما يملكون مثقال ذرة.
فإذا قال قائل: عيسى بن مريم يُدْعَى من دون الله وهو يملك، ولَّا لا؟
طالب: لا يملك.
الشيخ: ما يكون المعنى أنه المقصود الملك، ما له بيت، ولا شيء ولا..
طالب: لا يملك الشفاعة.
الشيخ: لا، ما هو بمالك الشفاعة؛ لأنه (...) نقول: تقدم لنا أن الملك الحقيقي لله، وأن ملك الإنسان لما يملك؟
طلبة: قاصر.
الشيخ: ليس على سبيل الحقيقة، والإطلاق، ما هو بمطلق، مقيد على حسب ما تقتضيه الشريعة؛ ولهذا لو أردت أن تتصرَّف في مالك كما تشاء، لقلنا لك ذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ليس لك هذا، وقوله..
الطالب: الكفار (...).
الشيخ: أيش لون الكفار؟
الطالب: الكفار اللي (...).
الشيخ: ويش فيهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: إلا، ولهذا يُعاقَب على فروع الشريعة، كما مر علينا في الأصول.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) حتى في وجوب الصلاة (...) والزكاة وغيره؛ لأنه ما يلزم بهذه الفروع إلا بعد الأصل، إنما هو يعاقب عليه؛ يعني لو تصرف في بيته تصرفًا يخالف الشرع، فهو آثم به، يزداد به نفس عقوبة يوم القيامة.
وقوله: وَلَا فِي الْأَرْضِقال المؤلف: (الآيتين) أيش معنى الآيتين؟ يعني أكمل الآيتين، يمكن نكملهم لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سبأ: ٢٢]؛ يعني حتى ولا يملكون شركة في ذلك، إذن ليس لهم ملك مستقل، ولا ملك على سبيل الشركة.
وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَمَا لَهُ(ما) نافية، والضمير في لَهُيعود على الله، مِنْهُمْالضمير يعود على المعبودين، مِنْ ظَهِيرٍأي: مُعينٍ، ومِنْ ظَهِيرٍ(من) حرف جر زائد لفظًا، زائدٌ معنًى.
طالب: لا، ما هو بزائد.
الشيخ: زائد لفظًا زائد معنًى.
الطالب: (...).
الشيخ: ويش معنى زائد معنًى؟ يعني: يزيد في المعنى، ما هو معنى أنه زائد لفظًا أنه ما له قيمة، (...) يعني ما له قيمة، زائد لفظًا زائد في المعنى، لكنه في المعنى يتضح أكتر، يعني معناه أن المعنى يزيد به، اللفظ زاد به، والمعنى أيضًا يزيد به؛ لأنه يفيد التوكيد.
إذن كل زيادة لفظية في القرآن فهي زيادة في المعنى، لا بد لها من معنى يزداد به السياق.
مِنْ ظَهِيرٍ، ظَهِيرٍويش إعرابه؟
طالب: مجرور بـ(مِن).
الشيخ: نعم، مجرور بـ(مِن)، لكن محله من الإعراب؟
طالب: اسم (ما).
الشيخ: اسم (ما)، لا.
الطالب: لا.
الشيخ: (...).
الطالب: لا، أقول: خبر (ما).
الشيخ: خبر (ما)؟ ولكن ابن مالك يأبى ذلك.
طالب: خبر لمبتدأ محذوف.
الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف، ويش التقدير؟
الطالب: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ، وَمَا لَهُ(...).
الشيخ: ظَهِيرٍمبتدأ مؤخر؛ (وما له منهم ظهيرٌ)، هذا الأصل، لو حذفنا (مِن) اتضح المعنى، ظَهِيرٍفهي مبتدأ مؤخر، والخبر قوله: لَهُ، وهنا لم تعمل (ما)، لأن ابن مالك بيقول؟

....................... مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ

وهنا ما فيه ترتيب، إذن لا يملكون استقلالًا، ولا مشاركة، ولا معاونة، كذا ولَّا لا؟ يعني: ما أعانوا الله بشيء في خلق السماوات والأرض بشيء أبدًا، فهم ليسوا مستقلين، ولا شركاء، ولا وزراء مُعِينين، ويش تيجي؟ تيجي شفعاء.
قال: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
الرابع: أيضًا ليسوا شفعاء؛ لأن الله يقول: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، وهل يمكن أن يأذن لهذه الأصنام أن تشفع لعابديها؟ لا، إذن انقطعت علائق المشركين من كل وجه عن أصنامهم، ولَّا لا؟ لا يملكون، وليسوا مشاركين، ولا معينين، ولا شافعين. وهذا من أبلغ ما يكون في قطع رجاء هؤلاء من أصنامهم.
المعنى الأول (...).
طالب: من الآية؟
الشيخ: إي، من الآية، هذه الأصنام ما تملك شيئًا.
الطالب: قوله: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
الشيخ: وَلَا فِي الْأَرْضِ، انتفاء المشاركة؟
طالب: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا.
الشيخ: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ؟
الشرك، المشاركة مَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ، المعاونة؟
طالب: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
الشيخ: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ؟
الطالب: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ.
الشيخ: (...) قوله: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، والشفاعة وهي التي يتعلق بها المشركون في قوله: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
ثم قال في آخر الآية: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [سبأ: ٢٣] تقدم الكلام عليها.
طالب: شيخ (...)؟
الشيخ: محلها ما تقول فيه؟ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ، أيش محلها من الإعراب؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) محلها من الإعراب، غير الإعراب؟
طالب: الأول، (...).
الشيخ: (...) المعنى (...) إعرابه.
الطالب: اللي بعده أعربنا.
الشيخ: اللي أعربنا (...).
طالب: (...).
الشيخ: مبتدأ مؤخر يعني: وما لهم فيهما شرك.
(قال أبو العباس).
طالب: تفيد العموم (...).
الشيخ: إي نعم، تفيد التنصيص على العموم.
(قال أبو العباس) المراد بأبي العباس: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، يكنى بهذه الكنية مع أنه ما له أولاد، وما تزوج رحمه الله، وليس معناه أنه ليست له شهوة، له شهوة لكنه كان مشغولًا بالعلم والجهاد، فلم يتزوج، وليس هذا أيضًا زهدًا في السنة؛ لأن الزواج من سنن المرسلين، هذا أبو العباس.
والغريب أن بعض المزوِّرين -من التزوير وهو الكذب- في دمشق، يقول لواحد: إني زرت (...) قديمًا، (...) إنك تزور شيخ الإسلام ابن تيمية؟ قلت: نعم، فذهبوا به إلى قبره، وقالوا: هذا قبر شيخ الإسلام، وهذا قبر (...) ولده، ما له ولد، وما تزوج حتى يكون له ولد.
(قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك) لقوله؟
لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
قال: (أو قسط منه) لقوله؟ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ، (أو يكون عونًا لله)؟
وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ.
(ولم يبق إلا الشفاعة، فبيَّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]).
ولاحظوا أن الثلاثة الأولى، الثلاثة الأولى ما فيها استثناء، الثلاثة الأولى، ويش هي؟
لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ، وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ.
هذه ما فيها استثناء أبدًا، لا أحد من الخلق يملك واحدة منها، الشفاعة فيها استثناء، حيث قال: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، (...) ولهذا فصلها شيخ الإسلام رحمه الله، فقال: (ولم يبق إلا الشفاعة)، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، وبهذا بطلت حجة المشركين، ما لهم أي حجة في إشراكهم.
واعلم أن شرك المشركين السابق كان في عبادة الأصنام، أما الآن فكان في طاعة المخلوق في معصية الرحمن؛ فإنهم هؤلاء المشركون يقدسون زعماءهم أكثر من تقديس الله، إن كانوا قد أقروا بالله، وإلا فقد لا يقرون بالله عز وجل.
هؤلاء نقول لهم: هؤلاء الذين تقدسونهم أكثر من تقديس الله عز وجل، هل يملكون شيئًا؟ مثلكم تمامًا، خرجوا من مجرى البول، ومن مجرى الحيض، ولَّا لا؟ فكيف تجعلونهم أهمَّ عندكم من الله، هل لهم شرك في السماوات؟ لا، هل يملكون أن يشفعوا لكم يوم القيامة عند الله؟ لا، إذن كيف التعلق هذا؟ تجد بعضهم -والعياذ بالله- إذا جاء بين يدي رئيسه يسجد له كما يسجد لرب العالمين، يسجد له في الأرض، ولا يركع له والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه من أسفه ما يكون، فكر أنت في نفسك وشوف هذا الرجل ويش هو من ذهب ولَّا من فضة ولَّا من أيش؟
من جنسك تمامًا، فإذا كان رئيسًا لك في الحق، ففرض الله عليك طاعته، وطاعته من طاعة الله، وليست استقلالًا، يجب علينا طاعة ولاة الأمور امتثالًا لأمر الله عز وجل؛ لأن بذلك تكون مصلحتنا. أما أن نجعلهم آلهة مع الله ونعبدهم كما يعبد الله والعياذ بالله! فهذا لا شك أنه جاهلية وكفر، حتى في الجاهلية ما يعبدون زعماءهم هكذا، هم وزعماؤهم مشتركون في عبادة الأصنام.
طالب: (...).
الشيخ: (...) قال: (فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن) هذه الشفاعة التي يظنها المشركون، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، نقول: هي منتفية يوم القيامة، (كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» ) .
والنبي عليه الصلاة والسلام أكرم الخلق عند الله، وأعظمهم جاهًا عنده، ما يقدر يوم القيامة على طول بالشفاعة، أولًا: يسجد، ويقنت لله عز وجل، ويحمد الله تعالى بمحامد ما فتح الله عليه من قبل، محامد عظيمة، حتى يقال: «ارْفَعْ رَأْسَكَ» معناها أنه ما زال ساجدًا، حتى يقال: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ» يستجب، «وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» اللهم صل وسلم عليه، فحينئذ؟
طالب: يشفع.
الشيخ: إذن سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم، لا يشفع إلا بإذن الله، ولا يشفع أيضًا هو نفسه صلى الله عليه وسلم، لا يشفع حتى يتقرَّب إلى الله عز وجل بهذه المحامد العظيمة، ليصقل سريرته بهذه المحامد، حتى يتم له مراده، فإذا تمَّ المراد، قال الله تعالى: (ارفع رأسك).
(وقال أبو هريرة له صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ») اللهم اجعلنا منهم.
طلبة: آمين.
الشيخ: هذا أسعد الناس بشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، «مَنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ» الشرط الثاني: «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» الخالص معناه: السالم من كل شوب، يعني لا يشوب هذه الشهادة شيء، بل هي شهادة يقين لا شك فيه، ولا ارتياب فيه، لا يريد بها رياء ولا سمعة، إنما يريد بها وجه الله سبحانه وتعالى، والتذلل له.
وقوله: «لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ» أي: لا معبود، لأن الإله بمعنى؟
مألوه، والمراد لا معبود بحق، (...) يوجد آلهة تعبد من دون الله لكنها؟
طالب: باطلة.
الشيخ: ليست بحق، باطلة، ولهذا جاء نفيها من (لا إله إلا الله)، وفي قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: ١٨]، وفي قول لوط لقومه: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]، فنفوا هذه الآلهة مع وجودها، لانتفاء نفعها وفائدتها، ولبطلانها أيضا، فهي لا تنفع، وألوهيتها باطلة، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢]، فهي وإن سميت آلهة فإنها لا تستحق هذا الاسم، وإلا فقد سماها الله آلهة في قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، وسماها الرسل آلهة في قول إبراهيم: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات: ٨٦]، ونفاها الله ونفتها الرسل، والجمع بين الإثبات وبين النفي، هو الجمع بين النفي وغير النفي، والحق، والعدل (...) الحق، فإثباتها باعتبار أنها أمر واقع، ونفيها باعتبار أنها لا تنفع عابديها، وعبادتها أيضا باطلة، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
وقوله: «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، ولا من لسانه؟
طلبة: من قلبه.
الشيخ: من قلبه، لأن المدار على القلب، والقلب ليس معنى من المعاني كما أريد به وهو العقل، بل القلب هو هذه المضغة الموجودة في صدور الناس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّه أَلَا وَهِي الْقَلْبُ» وبهذا يبطل قول من قال: إن القلب في الدماغ، وأن المراد به العقل، والرسول عليه الصلاة والسلام أعلم من هؤلاء، وقال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً» ثم قال: «أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»، فأكدها بألا «أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ونحن لا ننكر أن للدماغ تأثيرًا في الفهم والعقل، لكن الأصل هو؟
القلب، ولهذا قال الإمام أحمد: العقل في القلب، وله اتصال بالدماغ. (...).
وذلك حتى يكون لها شيء من (...)، ولا معينة ولا شافعة أيضًا إلا بإذن الله، فجميع ما يتعلق بالمشركين بآلهتهم كلها؟
قطعت بهذه الآية، وسبق لنا إشارة شيخ الإسلام إلى هذا، قال: (فنفى أن يكون لغيره ملك) هذا واحد (أو قسط منه) اثنين (أو يكون عونًا لله تعالى، ولم يبق إلا الشفاعة، تبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]).
والثلاثة الأمور الأولى ما فيها استثناء، أما الرابعة وهي الشفاعة؟
ففيها استثناء، إذا كانت بإذنه.
(وقال أبو هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك؟) ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال قال: «لَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ؛ لِمَا أَرَى مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ» رضي الله عنه، فكان حريصًا على العلم، فسأل: (من أسعد الناس بشفاعتك؟) أجابه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، ولا يكفي القول، لكن بالشرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» فعلم من ذلك أن مجرد القول -قول: لا إله إلا الله- لا يكفي؛ ولهذا كان المنافقون يقولون: لا إله إلا الله، ولم ينفعهم ذلك لعدم الإخلاص.
وفي قوله: «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» دليل على أن هذه الكلمة لا تنفع إلا من كان مخلصًا؛ إذا أخلص أنه لا إله إلا الله فلا بد أن يطلب هذا المعبود، وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فالذي يقول: لا معبود بحق إلا الله، ثم لا يعبد الله، هذه الشهادة ليست بصحيحة، إذ لو كان يتيقن ذلك حقًّا لعَبَد هذا الذي جعله المعبود الحق.
ثم قال: (فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله).
(تلك الشفاعة) يشير إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم (لأهل الإخلاص) لقوله: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، وقوله: (بإذن الله) من أين أخذها شيخ الإسلام؟
من قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥].
(ولا تكون لمن أشرك بالله) لقوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨] والله تعالى لا يقبل المشركين، ولا يرضى شركهم، وقد سبق لنا أن شروط الشفاعة، كم؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، أو اثنان؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: (وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضَّل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود).
يعني: حقيقة الأمر في الشفاعة أن الفضل فيها لمن؟ لله، هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص بالشفاعة، ويتفضل على الشافع أيضًا، فلله تعالى في الشفاعة فضلان: الفضل الأول: على مَن؟ على المشفوع له، حيث غفر له بواسطة الشفاعة، والفضل الثاني: على الشافع، حيث أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود، فإن الله تعالى إذا أذن لأحد من الناس أن يشفع فلا شك أن هذا إكرام له، حيث جعله أهلًا؛ لأن يكون واسطة بين الله تعالى وبين المشفوع له، ثم إنه ينال به مقامًا محمودًا، المقام المحمود أيضًا، كيف ذلك؟ لأنه -أي: الشافع- يُحمَد على ما قام به من الشفاعة، فهو بذلك ينال المقام المحمود، هذه هي حقيقة الشفاعة، ففيها فضل من الله أولًا وآخرًا على الشافع، وعلى المشفوع له؛ أما أنها فضل من الشافع على المشفوع له (...)؛ لأن نفس الشافع ينال بها الكرامة من الله، فهي في الحقيقة فضل عليه.
طالب: (...).
الشيخ: النبي وغيره.
الطالب: والمقام المحمود؟
الشيخ: المقام المحمود العام للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الشافع غير الرسول عليه الصلاة والسلام، ينال من الحمد بقدر ما شفع.
الطالب: ينال المقام المحمود؟
الشيخ: ينال نعم، لكن ما هو بالمقام المحمود الذي يختص بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن كل شافع يُحمَد على شفاعته.
طالب: شيخ، من قال: (...)، «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، هذه الشفاعة (...)؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني: يكون مخالفًا (...)؟
الشيخ: إي، هم عندهم إخلاص، ولهذا يفعلون ما يستقيم به الإسلام.
الطالب: بس مشركون بالمعنى العام.
الشيخ: لا، المعنى العام ما هو بهذا، ما يراد بمثل هذا؛ لأننا إذا قلنا: لا شفاعة لأهل الكبائر، من الذي يشفع فيه؟
الطالب: لا، نقول: يدخلون الجنة بلا شفاعة.
الشيخ: لا، هم يدخلون الجنة بلا شفاعة، وقد يدخلونها بالشفاعة؛ ولهذا جاء في الحديث: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» فالرسول صلى الله عليه وسلم يشفع، وغيره يشفعون لأهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وفيمن دخلها أن يخرج منها، ولا ريب أن صاحب الكبيرة عنده من نقص الإخلاص بقدر ما فعل من الكبيرة، وكلما كان الإخلاص أقوى كان التزام الطاعة أقوى، وكلما نقص الإخلاص نقص التزام الطاعة.
طالب: (...) عنها، التوبة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...) يحتاج إلى التوبة (...).
الشيخ: إي نعم، يحتاج إلى توبة، لكن إذا كان الإنسان مخلصًا، (...) كأنه عمله.
الطالب: (...).
الشيخ: وإذا لم يتب فهو تحت المشيئة.
الطالب: يشفع له؟
الشيخ: نعم، يشفع له؛ لأن أسباب المغفرة، مغفرة الكبائر كثيرة: منها عفو الله عز وجل، ومنها الشفاعة، ومنها حسنات كبيرة تغطي مثل أهل بدر، تغطي كبائرهم، المهم أن أسباب المغفرة -كما ذكر أهل العلم- عشرة، ذكرها شيخ الإسلام في منهاج السنة ونقلوها عنه.
طالب: يا شيخ، مثلًا إذا كانت الكبيرة في حق الآدميين وتاب منها، تنفعه؟
الشيخ: تنفعه التوبة، نعم، والله سبحانه وتعالى إذا صَدَق الإنسان في توبته يقضي حق هذا المظلوم من فضله وكرمه، ولهذا قوله تعالى: وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: ٦٨] إلى أن قال: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: ٧٠]، هذا عام حتى من القتل.
الطالب: من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم، يعني كيف هذا؟ (...) بأن جزاؤه النار؟
الشيخ: (...) التحذير من هذا الأمر، ويخشى أيضًا أنه اللي يقتل عمدًا أنه يفعل الكفر؛ لأنه لا يزال الإنسان في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، والمسألة خطيرة جدًّا.
وقال المؤلف نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك)، ويش إعراب (ما)؟
طالب: اسم موصول.
الشيخ: ولَّا نافية؟
طالب: لا، اسم موصول.
الشيخ: (ما كان فيها شرك)، يعني: لم يكن فيها شرك؟
طالب: لا، (...).
الشيخ: يعني معناه: (الشفاعة) مبتدأ، و(التي) هنا: خبر المبتدأ، يعني التي كان فيها شرك، هي التي نفاها القرآن، أين النفي في القرآن؟ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]، وأشباه ذلك مما نفاه الله سبحانه وتعالى، فالمراد به ما كان فيه شرك، وأما ما كان لأهل الإخلاص فإنه ثابت، فالقرآن نفى الشفاعة وأثبتها؛ الإثبات لأهل الإخلاص، والنفي لأهل الشرك؛ ولهذا قال: (الشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك)، بخلاف التي أثبتها، فهي ما كان فيه إخلاص وتوحيد.
قال: (ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع) من القرآن، (وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص).
طالب: تقدم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، الذي هو (...).
الشيخ: ما هو من أهل التوحيد والإخلاص.
الطالب: (...) الإخلاص الكامل.
الشيخ: لا، الإخلاص الكامل صحيح، لو وجد الإخلاص الكامل (...) احتاج إلى شفعاء، الإخلاص الكامل (...) الإيمان ولكن ما هو الإخلاص، فالذي لا تنفعهم الشفاعة هم الذين ليس عندهم إخلاص أصلًا، وليس عندهم توحيد، هؤلاء لا تنفعهم الشفاعة.
قال المؤلف: (فيه مسائل: المسألة الأولى: صفة الشفاعة المنفية).
طلبة: (تفسير الآيات).
الشيخ: إي نعم.
(الأولى: تفسير الآيات) كم من آية معنا؟
واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، خمس آيات، وقد سبق تفسيرها، وبيَّناها، وأن المؤلف رحمه الله أتى بها، لئلا يتعلق المشركون بالشفاعة.
(ثانيًا: صفة الشفاعة المنفية)، و(الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة) الشفاعة المثبتة ما تمت فيها الشروط، وهي؟ أيش الشروط؟
طالب: من القرآن؟
الشيخ: الشروط من القرآن أو من السنة.
الطالب: إي نعم، من القرآن هي قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ [البقرة: ٢٥٥].
الشيخ: لا -ما هو بالدليل- شروط الشفاعة المثبتة؟
طالب: إذْنُ الله للشافع، ورضاه عن الشافع.
الشيخ: عن الشافع، وإن كان هذه أيضًا الثالثة داخلة في قوله: بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]؛ لأنه ما يأذن الله إلا لمن رضي، هذه المثبتة.
المنفية: ما كانت بدون إذن؛ لا يمكن أن تكون شفاعة عند الله بدون إذنه، (...) ما كان فيها؟ شرك، سواء كان من الشافع، أو من المشفوع له.
(الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود)، ما هي الشفاعة الكبرى؟
الطالب: شفاعة الرسول لأهل الجنة.
الشيخ: لا.
طالب: شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف (...) سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: شفاعته عليه الصلاة والسلام لأهل الموقف أن يقضى بينهم.
(وهي المقام المحمود)، ويش يعني بالمقام المحمود؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ليش نسميه مقامًا محمودًا؟ وأين ذكر (...)؟
الطالب: الشفاعة الكبرى.
الشيخ: إي، ليش إنها وُصِفَت بأنها المقام المحمود؟
طالب: هو الذي يحمده عليه الأولون والآخرون (...).
الشيخ: والآخرون، ما وجه كونه يحمده الأولون والآخرون؟
طالب: لأنه (...).
الشيخ: والسؤال هو لماذا نقول: إنه يحمده الأولون والأخرون؟
الطالب: يحمدونه؛ لأنه ما هو مقام لأي أحد (...).
الشيخ: إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: صح؛ لأنه ما قام إلا هو؛ يذهبون إلى آدم، وإلى نوح، وإلى إبراهيم، وإلى موسى، وإلى وعيسى، وكلهم يعتذر، فهذا لا شك أنه (...).
طالب: (...).
الشيخ: ما هو؟
الطالب: (...) المقام هذا؟
الشيخ: لا، الشفاعة، المقام المحمود هو الشفاعة.
يقول: (الخامسة: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم وأنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أُذِنَ له شفع).
(...) النبي صلى الله عليه وسلم ما يشفع على طول، بل يسجد أولًا، ويحمد الله ويثني عليه، ثم يؤذن له بالشفاعة، وهذا يدل على عظمة الرب، وأنه إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو أعظم الناس جاهًا عند الله، ما يستطيع أن يشفع إلا بعد أن يسجد، ويحمد الله تعالى بالمحامد، ويؤذن له، فما بالك بغيره؟ هل اللات والعزى تشفع؟ أبدًا، ما تشفع، ولا تستطيع ذلك؛ لأن محمدًا عليه الصلاة والسلام، وهو أشرف الخلق عند الله سبحانه وتعالى، ما يمكن يشفع إلا بعد أن يسجد ويستأذن ويؤذن له.
وهذا لا شك أنه يقطع علائقَ المشركين بأصنامهم، إذا علمنا أن الشفاعة ما تكون إلا بهذا الوجه، فكيف يتعلق الإنسان بصنم يعبده من دون الله، ويقول: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، أين التقريب؟!
(السادسة: مَنْ أسعد الناس بها) عندكم كذا؟
طالب: إي.
الشيخ: يعني بيان من أسعد الناس بها، وهو من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه.
(السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله)؛ لقوله: (خالصًا من قلبه).
(الثامنة: بيانُ حقيقتها) هذا ذكره شيخ الإسلام، قال: (حقيقته أن الله يتفضَّل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أُذِنَ له أن يشفع)، ويتفضل أيضًا على الشافع، حيث أكرمه وأعطاه المقام المحمود، هذه هي حقيقة الشفاعة.
وخلاصة هذا الباب هي بيان هذه المسائل اللي ذكر المؤلف رحمه الله، وبيان أن هؤلاء المشركين لا يمكن أن تشفع لهم أصنامهم في أي حال من الأحوال؛ لأنه لا ينطبق عليها الشفاعة المثبتة، ثم..
طالب: (...) شفاعتهم، هل يدخل فيها (...)؟
الشيخ: الله أعلم، ما أدري، يحتمل هذا، ويحتمل أنه لا يكون إلا في الشفاعة العظيمة، اللي هي الشفاعة الكبرى.
باب: قول الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
00:47:21

ثم قال: (باب قول الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦]) هذا أيضًا نوع من الذي قبله، يعني إذا كان لا أحد يستطيع أن ينفع أحدًا للشفاعة، والخلاص من العذاب، كذلك لا يستطيع أحد أن يهدي أحدًا حتى يقوم بما أمر الله به. إِنَّكَشوف الخطاب لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام الذي اتخذه الله خليلًا، والمحاول هدايته أبو طالب، أو غيره ممن يحب، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، فأنت يا محمد المخاطب بكاف الخطاب، يعني: وله عند الله المنزلة المعروفة، لا يستطيع أن يهدي مَنْ أحب هدايته.
ومعلوم أنه إذا أحب هدايته، فإنه سوف يَحْرِص عليها، ومع ذلك ما تمكَّن من هذا الأمر؛ لأن الأمر كله بيد الله، لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [آل عمران: ١٢٨]، وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣] الْأَمْرُكل الأمور، فأتى بـ(أل) الدالة على الاستغراق؛ لأن (أل) في قوله: الْأَمْرُ، لأي شيء؟ للاستغراق، فهي نائبة مناب (كل)، أي: وإليه يرجع كل أمر، ثم جاءت مؤكدة بقوله؟
طالب: كُلُّهُ.
الشيخ: كُلُّهُ، فذلك توكيدان، وقوله: إن كنت لمحبتك إياهم حريصًا؛ أن الهداية التي نفاها الله عن رسوله هداية التوفيق، والهداية التي أثبتها لرسوله هداية الدلالة والإرشاد؛ ولهذا أتت هداية الدلالة والإرشاد مطلقة لبيان أن الذي بيده هو الهداية والدلالة فقط، لا أن يجعل هذا مهتديًا، قال: لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، ما ذكر فلانًا وفلانًا، لَتَهْدِيليبين أن المراد: تدل، فأنت الآن تفتح الطريق أمام الناس، وتبين لهم، وترشدهم، وتدلُّهم أما أن تقول: فلان هديته، بمعنى: ألزمته بالهداية وأدخلته في الهداية، فهذا أمر ليس إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما هو مما تفرَّد به الله سبحانه وتعالى، نحن علينا أن نبين، وندعو، ونبلِّغ، وأما التوفيق أن يهتدي، فهذا إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو الجمع بين الآيتين.
وفي قوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَإشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحب أبا طالب؟
طلبة: لا.
طالب: لا، على تقدير محذوف، أحببت هدايته.
الشيخ: نعم، إما أن يقال: إنه على تقدير: إنه مفعول محذوف والتقدير: من أحببت هدايته، لا من أحببته هو، وإما أن يقال: إن هذا قبل النهي عن محبة المشركين، ومعاداتهم، ومقاتلتهم، ومجاهدتهم، أحد الأمرين. ولكن الأول أقرب، يعني: ما هو من أحببت عينه، من أحببت هدايته.
طالب: يفرق بين المحبة الشرعية، والمحبة..؟
الشيخ: لا، يفرق بينهما.
الطالب: قد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام يحبه محبة القرابة؟
الشيخ: يجوز أنه يحبه محبة القرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية.
طالب: يعني إذا قال: (...).
الشيخ: لا، قد أحب أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيًّا لكفره، لكن أنا أحب أن يهتدي، ما هو لأنه فلان، لكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله، فإذن الجواب على هذا: إما أن نقول: إنها محبة طبيعية، ما هي بمحبةٍ دينية، والإنسان يحب أباه، ويحب ابنه ولو كان كافرًا محبة أبوة وقرابة، وإما أن يقال: من أحببت هدايته، فيعم من؟ أبا طالب، وغيره، حتى مَنْ ليس بينه وبينه قرابة، (...) يحب أن يهتدي، أو يقال: إن هذا قبل النهي عن محبة المشركين؛ لأن لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: ٢٢] مدنية، ولَّا مكية؟
طلبة: مدنية.
الشيخ: مدنية.
طالب: (...).
الشيخ: هي الأولى.
الطالب: محبة أن (...).
الشيخ: إي نعم، قال..
طالب: (...) المنهي عنه في الآية المودَّة وليس المحبة؟
الشيخ: حتى الحب في الله، والبغض في الله من علامات الإيمان.
طالب: الآية ما خَصَّت، نزلت في (...) أبي طالب (...)؟
الشيخ: خلينا نشوف (...)
قال: (وفي الصحيح عن ابن المسيب، عن أبيه) المسيب (قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ) .
(أبا) ليش هنا بالألف؟
طلبة: مفعول به.
الشيخ: مفعول به، والأسماء الخمسة تُنصَب بالألف، (لما حضرت أبا طالب الوفاة) (الوفاة) أيش إعرابها؟
طلبة: فاعل.
الشيخ: فاعل، والوفاة: يعني الموت، (جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، فقال له: «يَا عَمُّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»).
(فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا عَمُّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ») أتى بهذا الوصف الدال على الحنو والعطف؛ لأن العم صِنو الأب، ويش معنى صنوه؟ أي: أنه كالغصن معه، الصنو: هو الغصن الذي أصله واحد؛ أغصان أصلها واحد تُسمَّى صنوان، قلت: «يَا عَمُّ»؟
طالب: يا عَمِّي، ولا يا عَمُّ؟
الشيخ: لحظة، هل نقول: (يا عَمُّ)، ولَّا (يا عَمِّ)؟ يجوز فيها وجهان: يا عمِّ على تقدير أنها مضافة إلى الياء، وأصلها: يا عمِّي، و(يا عمُّ): على تقدير قطعها عن الإضافة.
«يَا عَمُّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» هذا الأمر على سبيل الإلزام والطلب، أو الإرشاد والتوجيه، أو الترجي والتلطف؟
كلها محتملة، يجوز أن يكون أمرًا؛ لأنه يجب على الإنسان أن يأمر كل أحد أن يقول: لا إله إلا الله، ويجوز أن يكون إرشادًا وتوجيهًا، ويجوز أن يكون تلطُّفًا معه.
«قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وأبو طالب والذين عنده يعرفون هذه الكلمة؟ ولَّا لا؟
يعرفونها، ويعرفون معناها، ولهذا بادر بالإنكار.
قال: «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» «كَلِمَةً» هذه بالنصب على أنها بدل من قوله: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فإن «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» في موضع نصب، والبدل له حكم المبدل منه «كَلِمَةً»، ويجوز إذا لم تكن الرواية بالنصب، أن تكون بالرفع، يعني: (هي كلمة)، ولكن النصب أوضح.
طالب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ما الذي نصبها؟
الشيخ: نصبها مقول القول، «قُلْ» ، «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
طالب: عندنا بالرفع.
الشيخ: أيها.
الطالب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
الشيخ: بالرفع، إذا كانت مرفوعة فلها وجه؛ هي كلمة.
وقوله: «أُحَاجُّ» بضم الجيم، وفتحها، «أُحَاجُّ»، «وأحاجَّ»، فأما على ضم الجيم فهي: صفة لكلمة، فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة ومحله النصب، أو الرفع، على أنه صفة لكلمة، وإذا كانت بالفتح فهي مجزومة على أنها جواب الأمر، أين الأمر؟
طالب: «قُلْ».
الشيخ: «قُلْ» يعني: إن تقل تحاج، وهذه أعني جواب الأمر، بعض المعربين يقولون: إنها جواب لشرط مُقدَّر، يعني: إن تقل أحاج، وبعضهم يرى أنها جواب للأمر مباشرة، وهذا الأخير أسهل، لأنه الأصل أيش؟
طالب: عدم التقدير.
الشيخ: الأصل عدم التقدير.
وقوله: «أُحَاجُّ لَكَ» «أُحَاجُّ» يعني: أذكرها حجة لك عند الله، وليس المعنى أخاصم، وأجادل الله، وإن كان بعض أهل العلم قال: إن هذا معناه: أجادل الله بها، ولكن الذي يظهر لي أن المعنى أحاج لك بها عند الله، يعني: أذكرها حجة لك، كما جاء في بعض الروايات: «أَشْهَدُ بِهَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ» ، ومتى تكون هذه الشهادة؟ تكون يوم القيامة عند ملاقاة الله سبحانه وتعالى، (فقالا له) من؟
طالب: عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل.
الشيخ: نعم، (فقالا له) عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، (فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟)، وهذا الاستفهام يراد به الإنكار؛ ينكرون عليه، هم عرفوا أنه إذا قال: لا إله إلا الله، وحَّد، وملة عبد المطلب الشرك، شوف والعياذ بالله، ذكرا له ما تهيج به نعرتُه، وهي ملة عبد المطلب حتى لا يخرج عن ملة آبائه، والعياذ بالله، فقالوا هذا؛ لأجل يتهيج ويبقى على ما هو عليه من الشرك.
وقوله: (فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟) هذان الرجلان هل ماتا على ملة عبد المطلب؟
أما أبو جهل فمات على ملة عبد المطلب، وأما عبد الله بن أبي أمية فقد أسلم، وكذلك أيضًا المسيب اللي حاضرهم، أسلم، فأسلم من هؤلاء الثلاثة رجلان، وبقي الثالث كما هو معروف مات على الكفر.
طلبة: (...).
الشيخ: لا، غير مسلم، أسلم فيما بعد.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟ نعم.
الطالب: هو (...) يعني هو كان جالس (...).
الشيخ: هو ما تكلم بشيء، لكن كان حاضرًا المجلس.
يقول: (فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب) (ملة) بمعنى دين، وعبد المطلب، ما هو لأبي طالب؟
طالب: أبوه.
الشيخ: أبوه، وعادة أن الإنسان تلحقه النعرة -والعياذ بالله- لملة آبائه، فلا يكاد يقلع عنها.
يقول: (فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا) (أعاد عليه) أيش قال؟ «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، (فأعادا عليه) قولهما: (أترغب عن ملة عبد المطلب) نسأل الله العافية والسلامة.
(فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب) والعياذ بالله، (آخر ما قال: هو) يعني أبا طالب (على ملة عبد المطلب) وهي ملة الشرك، (وأبى أن يقول: لا إله إلا الله) نسأل الله العافية.
إذن مات على الشرك، مات أبو طالب على الشرك، (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ») الله أكبر! «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ» هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القسم، واللام، ونون التوكيد.
«لَأَسْتَغْفِرَنَّ» والاستغفار: هو طلب المغفرة، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في نفسه شيء من القلق، حيث قال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» ولهذا وقع الأمر كما توقَّع، فنهي عنه، فقال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، وقوله: (أُنْهَ) فعل مضارع مبني للمعلوم؟!
طلبة: للمجهول.
طالب: أو للمفعول.
الشيخ: مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والناهي عنه هو؟
طلبة: الله.
الشيخ: (فأنزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى[التوبة: ١١٣]) مَا كَانَ، مَانافية، كَانَفعل ماضٍ ناقص، واسمها: أَنْ يَسْتَغْفِرُوا(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم (كان) مؤخر، ولِلنَّبِيِّ؟
طالب: خبرها.
الشيخ: خبرها مقدم، يعني: ما كان استغفاره، ولا يمكن.
واعلم أن (ما كان)، و(ما ينبغي)، إذا جاءت فإنها؟ ويش المراد بها؟ المراد بها الممتنع غاية الامتناع، الممتنع شرعًا غاية الامتناع، إذا جاءت في القرآن: (ما كان)، أو (لا ينبغي)، أو (ما ينبغي)، أو ما أشبه ذلك، فالمراد أن ذلك ممتنع غاية الامتناع، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ [مريم: ٣٥] ممتنع غاية الامتناع، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢]، مستحيل.
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [يس: ٤٠]، وهكذا، «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» ، مستحيل.
طالب: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ.
الشيخ: لا، إِلَّا أَنْ قَالُوا [آل عمران: ١٤٧]، هذا أثبت.
وقوله: أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَأن يطلبوا المغفرة، لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىحتى لو هم أقارب لهم، ولهذا لما اعتمر النبي عليه الصلاة والسلام، ومر بقبر أمه، استأذن الله أن يستغفر لها، قال: «يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي» فمنعه الله عز وجل، ما أذن له، فاستأذنه أن يزور قبرها فأذن له، فزار النبي عليه الصلاة والسلام قبر أمه وهي مشركة؛ للاعتبار، ثم بكى عليه الصلاة والسلام وبكى من حوله من الصحابة ، ولكن الله تعالى منعه أن يستغفر؛ لأن هؤلاء المشركين ما هم بأهل للمغفرة، فإذا دعوت الله أن يفعل ما لا يليق به، فهذا اعتداء في الدعاء.
(وأنزل الله في أبي طالب: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (في أبي طالب) أي: في شأنه، ولَّا الخطاب مو لأبي طالب، الخطاب لمن؟
للرسول صلى الله عليه وسلم، وإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وأيضًا: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُسبق لنا أن قلنا: إن كل فعل أضافه الله إلى مشيئته، هو مقرون بحكمته، مَن اقتضت حكمته أن يهديه، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
طلبة: آمين.
الشيخ: فإنه يهتدي، ومن اقتضت حكمته أن يُضِلَّه أضلَّه الله.
هذا الحديث في الحقيقة يقطع وسائل المشركين أيضًا، (...) الذين يشركون بالرسول وبغيره، الذين يسألون الرسول الآن، ويستنجدون به، ويستغفرونه أيضًا، ويطلبون منه المغفرة، هؤلاء مشركون، ينفعهم ذلك ولَّا لا؟ ما ينفعهم، ما ينفعهم هذا أبدًا؛ لأنه إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ما أذن له أن يستغفر لعمه أبي طالب، مع أنه قد قام معه قيامًا عظيمًا، وفعل جميلًا، ومع ذلك ما أُذِن أن يستغفر له، فكيف بغيره مما يشركون بالله؟ ما ينفعهم الرسول صلى الله عليه وسلم أبدًا.
في هذا الحديث عدة إشكالات، أو في هذا الباب كله:
الإشكال الأول: الإثبات والنفي في الهداية: وقد عرفنا الجواب عليه، أو لا؟
الإشكال الثاني: (لما حضرت أبا طالب الوفاةُ) فهذا يُشكِل مع قوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].
وظاهر الحديث (لما حضرت أبا طالب الوفاة) قبول توبته، وهذا إشكال، والجواب على ذلك من أحد وجهين:
إما أن يقال: لما حضرته الوفاة، أي: بانت عليه علامات الموت، ولكنه ما نزل به، إلى الآن ما نزل به، لكنه عرف أنه ميت لا محالة، فهذا معنى: حضرته الوفاة، وعلى هذا الوجه، ينافي الآية ولَّا لا؟ ما ينافيها.
والوجه الثاني: أن يقال: أن هذا خاص بأبي طالب (...) بأبي طالب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدلُّ لذلك بوجهين:
الوجه الأول: أنه قال: «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، ولم يجزم بنفعها له، ما جزم بنفعها، ما قال: تنجو بها من النار، بل قال: «أُحَاجُّ لَكَ بِهَا».
والوجه الثاني: أن الله تعالى أذن للرسول عليه الصلاة والسلام أن يشفع لعمه أبي طالب، وهذا لا يصح، ولا يستقيم إلا له، أو لا؟ والشفاعة له ليخرجه من النار، ولَّا ليخفف عنه العذاب؟
طلبة: ليخفف عنه..
الشيخ: ليخفف، ويبقى. (...).
بالوجهين الذي سمعتم، وأيضًا هو يؤيد، ويدفعون قول من قالوا: (حضرته الوفاة)، كانت عليه علامات الموت بأن (حضرته الوفاة) مطابقة تمامًا لقوله تعالى: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨]، وعلى هذا يكون الأوضح في الجواب الاختصاص، هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم في أبي طالب نفسه.
وفيه أيضًا إشكالات لعلنا إن شاء الله نأتي بها فيما بعد.
طالب: يا شيخ: لو قيل: إن القصة هذه قد (...)؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: قصة أبي طالب قد يوجد (...) على قبول التوبة.
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر يعني قصدي معناه: إن الجواب هذا غير سديد.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: غير سديد؛ أولًا أن قوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] هذه نزلت متأخرة؛ لأنها في سورة التوبة، وسورة التوبة متأخرة.
وثانيًا: أن الآية وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨] مدنية، ومَسوقة مسوقَ الشيء الممتنع، مثل (...)، الظاهر أن هذا الجواب ما يستقيم.
طالب: حتى الآية هذه (...)؟
الشيخ: أيها؟
الطالب: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا، (...)؟
الشيخ: (...) يحتمل أنها مكية، ويحتمل أن الرسول بقي يستغفر له حتى نزلت الآية، حتى في المدينة.
طالب: (...).
الشيخ: يستغفر لمن؟ لأبي طالب؟
الطالب: نعم، بدليل (...).
الشيخ: لا، ما عندك دليل (...)، فيه أيضًا إشكالات (...) القادم. (...).

***

طالب: الحمد لله رب السماوات والأرض وما بينهما، والصلاة والسلام على نبي الهدى نبينا محمد وعلى أنبياء الله أجمعين، وبعد:
روى الإمام أحمد في المجلد الثاني من مسنده صفحة ٥٤١ حديثًا قال فيه: حدثنا عصام بن خالد، قال: حدثنا جرير، عن شهيد بن أبي روح، أن أعرابيًّا أتى أبا هريرة فقال: يا أبا هريرة حدِّثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةَ يَمَانِيَّةٌ، وَأَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمُ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ» -وقال المغيرة: «مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ»- «أَلَا إِنَّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَصْحَابِ الشَّعْرِ وَالْوَبَرِ، الَّذِينَ يَغْتَالُهُمُ الشَّيَاطِينُ عَلَى أَعْجَازِ الْإِبِلِ» .
هذا حديث حسن، فعصام بن خالد، وهو الحضرمي شيخ الإمام أحمد، قال فيه النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد أخرج له البخاري في صحيحه، وأشار إليه الحافظ في التقريب بأنه صدوق.
وأما قول عصام: (حدثنا جرير) فهو تصحيف، والصواب حريز، وهو ابن عثمان ثقة ثبت، لأن عصام لم يرو عن جرير، وهو ابن عبد الحميد وهو من الثقات، وشبيب أبو روح تابعي ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وقوله في الحديث: وقال المغيرة: «مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ»، مع أن المغيرة هذا لم يأت في السند المذكور، ولم نقف على طبقة المغيرة هذا، هل هو شيخ الإمام أحمد، أم هو تابعي، أو غير ذلك، وعلى كل حال فقد اختلط اللفظ، فواحد روى: «أَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ»، وآخر روى: «أَجِدُ نَفَسَ رِبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ»، وهذا يوجب اضطرابًا في المتن؛ لأن الجمع يتعذر في هذه الحالة، ولكن الحديث رواه البخاري رحمه الله في كتابه التاريخ الكبير المجلد الرابع صفحة ٧١، عند ترجمته الصحابي سلمة بن نفيل السكوني الشامي، قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا عبد الله بن سالم، قال حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، قال أخبرني سلمة بن نفيل السكوني قال: دنوت من النبي صلى الله عليه وسلم حتى كادت ركبتاي تمسان فخذه، فقلت: يا رسول الله، سيء بالخيل وألقي السلاح، وزعموا أن لا قتال، قال: «كَذَبُوا، الْآنَ جَاءَ الْقِتَالُ، لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرَةٌ عَلَى النَّاسِ يَزِيغُ اللَّهُ قُلُوبَ قَوْمٍ فَيُقَاتِلُونَهُمْ لِيَنَالُوا مِنْهُمْ» ، «لِيَنَالُوا مِنْهُمْ» قال وهو مُولٍّ ظهره إلى اليمن: «إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ هَاهُنَا، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنِّي مَكْفُوتٌ غَيْرُ مُلَبَّثٍ، وَتَتَّبِعُنِّي أَفْنَادًا، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا».
وهذا سند أبيض رجاله كلهم ثقات، فالحديث صحيح؛ لأنه جاء من طريقين مختلفتين، الأولى في المسند حسنة، الثانية التي في التاريخ صحيحة، ولا تؤثر مخالفة المغيرة التي في المسند، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد المجلد العاشر صفحة ٥٦، وقال: رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة (...)
.
الشيخ: (...).
طالب: الإشارة إلى لفظ البخاري (...).
الشيخ: إي، يعني: وهو مولٍّ ظهره..
الطالب: من الخلف، أو من الأمام؟
الشيخ: لا، ظني من الخلف، هو ما هو مشكلة من اليمن أو من الشام، لكن المشكلة أنه نَفَس..
الطالب: ما يثبت النفس من هذا الدليل؟
الشيخ: لا، لأن النفس، مثل الأكل والشرب؛ يعني: من ضروريات الأجسام، ولكنه من (...) الله، لأن المراد النصر.
طالب: (...) السياق أيضًا (...).
الشيخ: أيها؟
الطالب: السياق، سياق النص.
الشيخ: إي نعم، «الْإِيمَانُ يَمانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ» (...).
طالب: لا، (...).
الشيخ: ما هو (...) فيه؟
طالب: قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة) (...).
الشيخ: الإشكال اللي قال.
طالب: الإشكال هو قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة)، حيث أولى أن يقول: (...).
الشيخ: لا، هذا ما هو بإشكال، تقديم المفعول ما فيه إشكال.
طالب: لما قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة)، (...) قول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨]، فكيف تُقبَل..؟
الشيخ: قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ.
الطالب: إي، قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، فكيف تقبل توبتُه والرسول كان يعرض عليه؟
الشيخ: وقد حضرته الوفاة، صح، ويش الجوب على الاثنين؟
طالب: الجواب: أن يقال: إن أبا طالب حضرت عليه بوادر الوفاة ولم ينزل به أو أن يقال: إن هذا خاص بأبي طالب مع النبي.
الشيخ: أحسنت، الجواب بأحد أمرين: إما أن يقال: حضرت أبا طالب الوفاة، يعني: ظهرت عليه علامات الموت وإن لم ينزل به، ما بعد نزل به الملكُ لقبضِ روحه، وإما أن يقال: إن هذا خاص بأبي طالب، أيهما أرجح؟
طالب: الأخير، إنه خاص بأبي طالب مع النبي.
الشيخ: ويش (...)؟
طالب: لأنه قال: حضرت بمعنى أنه حضره الموت.
الشيخ: وجه رجحانه؟
طالب: (...) أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ».
الشيخ: قال: «أُحَاجُّ لَكَ»، ولم يجزم؟
الطالب: (...).
الشيخ: بأنها تنفعه، أيضًا دليل آخر؟
طالب: أنه وجده في ضحضاح من نار، (...) الدرك الأسفل من النار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع له عند الله، فيكون في ضحضاح من النار.
الشيخ: زين، مع أن غيره لا تنفعه هذه الشفاعة.
طالب: (...) قبول التوبة هي لمن حضرته الوفاة، (...): وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، والحديث هذا (...).
الشيخ: هذا يزيل الإشكال، يعني: هذا مما يرجح أننا إذا قلنا بالأول أخرجنا قوله: (حضرت الوفاة) عن ظاهره، وإذا قلنا بالثاني بقيت الآية والحديث متطابقين، نعم، صح.
فيه أيضًا إشكال ثالث؛ وهو أن قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] متأخر نزولًا؛ لأنها في سورة التوبة، والتوبة مدنية، وقصة أبي طالب مكية، وقلنا: إن هذا تأخَّر النهيُ عن الاستغفار للمشركين؛ ولهذا استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ربَّه أن يستغفر لأمه وهو ذاهب إلى العمرة، ولو كانت هذه الآية مكية، هل يستأذن ربه أن يستغفر لها؟ ما يمكن يستأذن، فدلَّ هذا على أن الآية تأخَّرت.
وأن معنى قوله: (فأنزل الله مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ) ليس المعنى أنه نزلت في ذلك الوقت، بل تأخر نزولها، ولا مانع من أن يكون للآية سببا نزول، وقد قيل أيضًا: إن استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه أنه أيضًا سبب لنزول الآية، ولا مانع من أن يكون للآية سببان.
فيه أيضًا شيء من الإشكال، هذه ثلاث إشكالات، ويجب عليكم إنكم تسجلون الإشكالات هذه، إما في حوافظ أدمغتكم، أو في حوافظ دفاتركم، لا تفوت عليكم الفوائد هذه، يعني أنا أنسى دائمًا مثل هذه الفوائد.
من الإشكال أن أهل العلم يقولون: إنه يُسنُّ تلقينُ المحتضر قولَ: لا إله إلا الله، ولكن لا يقول له: قل: لا إله إلا الله، لأنه ربما مع الضجر يقول: لا، مع الضجر وحضور الموت، يكون ضيق الصدر، يقول: لا، أو يكره هذه الكلمة أو معناها، وإنما ينبغي في التلقين أن يذكر الله عنده ذكرًا يسمعه، فما هو الجواب عما ذكره أهل العلم وهذا الحديث؟ وهذا طبعًا ليس إشكالًا بين نصين؛ إشكال بين ما استحبه بعض العلماء وبين هذا النص.
طالب: أبو طالب (...).
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: نعم، صحيح.
الشيخ: صحيح؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، نقول: هذا كافر، ولو أبى أن يقول: لا إله إلا الله، هو على حاله، ما ضره التلقين شيئًا في هذا الوقت، لم يضرَّه شيءٌ، لكن تيجي لمسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، تقول له: قل، في هذه الحالة الحرجة، هذا خطر عليه؛ لأنه ربما تضره، فهذا الفرق، أما أبو طالب فإنه كان كافرًا، إما أن يبقى على كفره ولا ضرر عليه، يعني: لا ضرر عليه منه، وإما أن يهديه الله، بخلاف المسلم.
طالب: لكن فيه طلبة علم يقولون: فيه واحد من الأنصار الرسول قال له: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (...)»؟
الشيخ: ما أدري، ما مرت عليَّنا.
الطالب: رجل من الأنصار قال له..
الشيخ: ما مرت عليَّنا هذه، ها القول يمكن قال في غير حضور الموت.
الطالب: لو مريض ميئوس منه.
الشيخ: ما (...).
طالب: يقول: يعنى قصة اليهودي.
طالب آخر: لا، غير قصة اليهودي، هذه غير لأن أنا قلت: هذا الحديث (...) مر علينا البارحة، (...) الحديث، بس أنا ما حفظته فيه واحد من الأنصار.
الشيخ: لا، ما أظن.
الطالب: وإذا صح يعني.
الشيخ: ما نقول، حتى نشوف الحديث، ونشوف ويش قرأناه؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف (...)؟ من الآية.
الطالب: الآية (...).
الشيخ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] (...).
الطالب: يجوز (...)؟
الشيخ: إي يجوز (...).
الطالب: (...).
الشيخ: لا، يمكن قد تكون في سنة ست؛ لأنهم دخلوا، حين استأذن الرسول عليه الصلاة والسلام ربه في سفره للعمرة، ما (...) عمرة القضية، أو عمرة الحديبية، وأظن عمرة القضية في السنة السابعة، ونزلت بعد ذلك.
طالب: (...).
الشيخ: لا، قصة أبي سلمة (...) وأغمض عينيه وقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَأَبِي سَلَمَةَ» (...).
فيه أيضًا إشكال من مَنْ أَحْبَبْتَ، وذكرنا الجواب عليه، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَنزلت في أبي طالب وهو كافر، والرسول صلى الله عليه وسلم مؤمن؟ كيف يثبت محبة المؤمن للكافر، وأجبنا عنها فيما سبق.
طالب: محبة الإنسان لأقربائه تكون فطرية، ليس للمرء فيها دخل، وحب النبي عليه الصلاة والسلام لعمه (...) ليس حب..
الشيخ: ليس حب إيمان.
الطالب: ليس مودة (...).
الشيخ: ليست محبة إيمان.
طالب: (...) المراد أنك لا تهدي من أحببت هداه.
الشيخ: نعم، لا من أحببت هدايتَه، وحينئذ ما يكون فيها تعرض لكونه يحبه أو لا يحبه، فالرسول يحب هداية كل إنسان، والمعنى الأول أقرب إلى سبب النزول، لأنه لو قلنا من أحب هدايته لم يكن فرق بين أبي طالب وغيره.
كم الإشكالات الآن؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: ست.
طالب: أربعة (...).
الشيخ: (وفيه مسائل؛ الأولى: تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَالآية) وقد سبق تفسيرها، وبيَّنا أنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يهدي أحدًا وهو حي، فكيف يستطيع أن يهدي أحدًا وهو ميت؟ وأنه كما قال الله تعالى في حقه: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [الجن: ٢١].
(الثانية: تفسير قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواالآية) وقد سبق تفسيرها، وبينا أنها تدل على تحريم استغفار المؤمنين للمشركين، ولو كان أباه؟ ولو كان أباه وأمه فإنه حرام، وبينا الخطر من قول بعض هؤلاء الناس الذين إذا مات الميت الكبير من زعماء الكفر يقولون له: المرحوم، فإن هذا حرام ولا يجوز، لا يجوز أن يُدعى له بالرحمة؛ لأنه مضادة لله سبحانه وتعالى.
ومن هذا أيضًا إظهار الحزن والجزع على موته بالإحداد أو بغيره، فإن هذا لا يجوز؛ لأن رؤساء الكفر المؤمنون يفرحون بأن يموتوا، بل لو كان عند المسلمين قدرة وقوة لقاتلوهم وعذبهم الله بأيدي المؤمنين.
طالب: لو شك الإنسان في (...) أحد (...) هل يستغفر (...)؟
الشيخ: إي نعم، تقدم لنا أنه يستغفر، يقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، إلى آخره.
طالب: قوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣].
الشيخ: نعم.
الطالب: هل (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: بمعنى إذا لم يتبين للشخص..؟
الشيخ: إي نعم، إذا لم يتبين فله أن يستغفر.
الطالب: كيف يتبين له؟
الشيخ: افرض أن هذا -مثلًا- رجل تحوم حوله الشبه، يقال: إنه مثلًا لا يصلى، يقال: إنه مثلًا جاحد للإسلام، ولكن ما تبيَّن لنا، فهذا لا بأس أن نستغفر له، لكنه إذا قويت القرائن فإننا نستثني، اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له، والمشرك الكافر ما نقول: إن كان مؤمنًا؛ لأننا عارفون أنه ما هو مؤمن.
طالب: (...) في بلاد بعيدة؟
الشيخ: لا، البلاد البعيدة ما دام أنهم على الكفر فإننا في الدنيا نعاملهم بأحكام الدنيا، ولا نحكم بأنهم مسلمين، ولا ندعو لهم بالرحمة، نحن ما ندري، الله أعلم بما كانوا عاملين.
(الثالثة: وهي المسألة الكبيرة، تفسير قوله: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ») يعني المسألة الكبيرة من هذا الباب، تفسير قول مَن؟
قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمه: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وعمه عرف المعنى، وعرف إن معناه التبرؤ من كل إله سوى الله؛ ولهذا أبى أن يقول هذا الكلام، فهو يعرف معناها، ويعرف مقتضاها، ويعرف ملزماتها؛ ولهذا أنكر، أبى أن يقول: لا إله إلا الله، والعياذ بالله.
بخلاف ما عليه من يدعي العلم، فإن ما عليه من يدعي العلم، أيش لون؟ يعني: حيث فسَّر لا إله إلا الله في غير معناها، وكأن المؤلف يشير إلى تفسير المتكلمين لمعنى لا إله إلا الله، حيث يقولون: إن الإله هو القادر على الاختراع؛ لأنه لا قادر على الإيجاد والإبداع إلا الله، وهذا التفسير في الحقيقة تفسير باطل، هو حق؛ لا قادر على الإبداع إلا الله، ولا على الاختراع إلا الله، لكن ليس هو معنى لا إله إلا الله، بل معناها لا معبود بحق إلا الله، لأننا لو قلنا: لا إله إلا الله معناها لا قادر على الاختراع إلا الله، صار المشركون الذين قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام واستباح نساءهم وذريتهم وأموالهم ودماءهم صاروا مسلمين مخلصين؛ لأنهم هم يقولون: ما يقدر على الاختراع ولا خلق السماوات والأرض إلا الله.